القرطبي

375

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ابن المنذر بن عمرو بن الجموح بغير ذلك وقال له : يا رسول الله ، أرأيت هذا المنزل ، أمنزلا أنزلكه الله فليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ فقال عليه السلام : " بل هو الرأي والحرب والمكيدة " . فقال : يا رسول الله ، إن هذا ليس لك بمنزل ، فانهض بنا إلى أدنى ماء من القوم فننزله ونعور ( 1 ) ما وراءه من القلب ( 2 ) ، ثم نبني عليه حوضا فنملأه فنشرب ولا يشربون . فاستحسن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك من رأيه ، وفعله . ثم التقوا فنصر الله نبيه والمسلمين ، فقتل من المشركين سبعين وأسر منهم سبعين ، وانتقم منهم للمؤمنين ، وشفى الله صدر رسوله عليه السلام وصدور أصحابه من غيظهم . وفي ذلك يقول حسان : عرفت ديار زينب بالكثيب * كخط الوحي في الورق القشيب ( 3 ) تداولها الرياح وكل جون * من الوسمي منهمر سكوب ( 4 ) فأمسى ربعها خلقا وأمست * يبابا ( 5 ) بعد ساكنها الحبيب فدع عنك التذكر كل يوم * ورد حرارة الصدر الكئيب ( 6 ) وخبر بالذي لا عيب فيه * بصدق غير إخبار الكذوب بما صنع الإله غداة بدر * لنا في المشركين من النصيب غداة كأن جمعهم حراء * بدت أركانه جنح الغروب فلاقيناهم منا بجمع * كأسد الغاب مردان وشيب أمام محمد قد وازروه * على الأعداء في لفح الحروب بأيديهم صوارم مرهفات * وكل مجرب خاظي الكعوب ( 7 )

--> ( 1 ) عور عيون المياه : إذا دفنها وسدها . ( 2 ) القلب : جمع قليب ، وهي البئر العادية القديمة التي لا يعلم لها رب ولا حافر تكون في البراري . ( 3 ) الوحي : الكتابة . والقشيب : الجديد . ( 4 ) الجون : السحاب . والوسمى : المطر الذي يأتي في الربيع . ( 5 ) اليباب : الخراب . ( 6 ) الكئيب : الحزين . ( 7 ) الخاظي : الكثير اللحم ، والمراد الضخم العظيم ، أو ذو الشرف والمجد .